جميل صليبا

8

المعجم الفلسفي

ولكن العلماء الذين أخذوا في عشرات السنين الأخيرة يدونون علوم العصر ، وينقلونها من اللغات الأوربية إلى اللغة العربية ، لم يتقيدوا بهذا الأصل الذي قدمناه ، بل مالوا إلى استعمال الألفاظ المترادفة للدلالة على المعنى الواحد ، أو إلى استعمال اللفظ الواحد للدلالة على المعاني المختلفة . فعرض لهم من الخلاف في المعاني ما عرض للشعراء ، والخطباء ، وأصحاب السجع من استعمال الألفاظ المترادفة والمتواطئة ، وان كانت متباينة بالحقيقة . فأدّى فعلهم هذا إلى الالتباس والإشكال ، وإلى الكثير من الغلط والخطأ ، مع أنه كان ينبغي لهم ، إذا وجدوا ألفاظا مختلفة متقاربة المعاني ، أن ينظروا فيها ، ويبحثوا عن السبب في اختلافها ، ليضعوا لكل معنى لفظا مطابقا له . إلا أنهم قلدوا في ذلك البلغاء ، والشعراء ، والخطباء ، فجاءت اصطلاحاتهم كثيرة الغموض ، وعلومهم قليلة الوضوح والضبط . والدليل على أن الأمر على ما ذكرنا ، ان الشخص الواحد يستعمل للدلالة على المعنى الواحد ألفاظ مختلفة ، أو يستعمل اللفظ الواحد للدلالة على المعاني المتباينة . وإذا كان المؤلف الواحد لا يتقيد هو نفسه بالاصطلاحات التي اختارها ، فما بالك بالمترجمين الآخرين الذين قد يوافقونه على اختياره ، أو يخالفونه ، ويخالفون أنفسهم ؟ وما بالك بالقارئ الذي يجهل اللغة الأجنبية ، هل يفهم ما يقوله هؤلاء ، وما يكتبونه ؟ إن مدار الأمر ، والغاية التي يجري إليها الكاتب والقارئ ، إنما هو الفهم والإفهام . فإذا كانت معاني الألفاظ تختلف باختلاف المتكلم والسامع فكيف تتضح ، وكيف تفهم ؟ إن التفاهم بألفاظ متبدلة المعاني أصعب من التعامل بنقود متبدلة القيم ، فلا بد العلماء إذن من الاتفاق على معاني الألفاظ ، ولا بد لهم أيضا من تثبيت الاصطلاحات العلمية ، حتى